عبد الملك الجويني
521
نهاية المطلب في دراية المذهب
أبو علي وجهين في أنه هل يستبد الجدُّ بالاستقراض على الغائب من غير مراجعة القاضي مع القدرة عليها ، ولست أرى لجواز الاستقراض عليه من غير مراجعة القاضي وجهاً أصلاً ؛ فإن الجد لا يلي في غيبة الأب ، وما أثبتناه في الأم ، فمعتمدنا فيه الخبر ، فلعل الشيخَ نزَّل الجد في الغيبة منزلة الأم ، وليس هذا من مواضع القياس ، بل القاضي يلي الطفل في غيبة الأب . وقد انتهى هذا الغرض . 10193 - ونحن نبتدىء مقصوداً آخر منعطفاً على ما تقدم ، فنقول : من ملك عقاراً ، فهو مبيع على قدر الحاجة في نفقة من يجب نفقته ، وكل ما يباع في الديون ، فهو مبيع في النفقات ، وسنوضح في أثناء الكلام أن النفقة مقدمةٌ على الدين . 10194 - فإذا لم يملك الرجل شيئاً يباع في دين ، ولكنه كان كسوباً قادراً على أن يحصّل قوتَ نفسه وقوتَ قريبه ، فهل يجب عليه أن يكتسب ، وكيف السبيل فيه ؟ قال الأئمة : إذا قدر على الكسب ، فهل له أن يتكفف ويسال الناس إلحافاً ؟ فعلى وجهين : أحدهما - يجب عليه أن يكتسب ، ويتركَ التعرّض [ للناس ] ( 1 ) ، وهذا يعتضد بقول المصطفى صلى الله عليه ، إذ قال : " المسألة حرام إلا على ثلاثة الحديث " ( 2 ) ولولا الحديث ، لما كان ينقاس تحريم المسألة والتعرض للناس بالسؤال . ومن أصحابنا من لم يحرّم السؤالَ - مع القدرة على الكسب ، وحمل قول رسول الله
--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) حديت : " لا تحل المسألة إلا لثلاث " رواه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، والشافعي في الأم والدارقطني في سننه ، كلهم من حديث قَبيصة بن مُخَارق رضي الله عنه ( ر . مسلم : الزكاة باب من تحل له المسألة ، ح 1044 ، أبو داود : الزكاة ، باب ما تجوز فيه المسألة ، ح 1640 . النسائي : الزكاة باب الصدقة لمن تحمل بحماله ح 2580 ، 2581 ، وباب فضل من لا يسأل الناس شيئاً ، ح 2592 . الأم : 2 / 62 ، الدارقطني : 2 / 119 ، 120 ) وتمام الحديث " رجل تحمل حمالة ، فحلّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله ، فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش ، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلاناً فاقة . . . " وهذا لفظ مسلم .